الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

243

مناهل العرفان في علوم القرآن

والإضافات الفاسقة . بل هو مستمدّ من القواعد التي وضعها الرسول بتشريع كتابة القرآن ، واتخاذ كتّاب للوحي ، وجمع ما كتبوه عنده حتى مات صلوات اللّه وسلامه عليه . قال الإمام أبو عبد اللّه المحاسبي في كتاب فهم السنن ما نصّه : « كتابة القرآن ليست بمحدثة ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرّقا في الرقاع ، والأكتاف ، والعسب ، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها القرآن منتشرا ، فجمعها جامع وربطها بخيط ، حتى لا يضيع منها شئ » ا ه تنفيذ أبى بكر للفكرة : اهتمّ أبو بكر بتحقيق هذه الرغبة ، ورأى بنور اللّه أن يندب لتحقيقها رجلا من خيرة رجالات الصحابة هو زيد بن ثابت رضى اللّه عنه ، لأنه اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن ، ما لم يجتمع في غيره من الرجال ، إذ كان من حفّاظ القرآن ، ومن كتاب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان فوق ذلك معروفا بخصوبة عقله ، وشدة ورعه ، وعظم أمانته ، وكمال خلقه ، واستقامة دينه . فاستشار أبو بكر عمر في هذا فوافقه . وجاء زيد فعرض أبو بكر عليه الفكرة ورغب إليه أن يقوم بتنفيذها ، فتردّد زيد أول الأمر ، ولكن أبا بكر ما زال به يعالج شكوكه ، ويبيّن له وجه المصلحة ، حتى اطمأنّ واقتنع بصواب ما ندب إليه ، وشرع يجمع ، وأبو بكر وعمر وكبار الصحابة يشرفون عليه ، ويعاونونه في هذا المشروع الجلل ، حتى تمّ لهم ما أرادوا « وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » . وفي ذلك يروى البخاري في صحيحه أنّ زيد بن ثابت رضى اللّه عنه قال : « أرسل إلىّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة ( أي عقب استشهاد القراء السبعين